عين القضاة

81

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( ومن تعلّق بالذكر فقد تعرّض للسير ، ومن ألف الذكر فقد وقف بالباب ، ومن ولع بالذكر أوصله إلى المذكور ) . أقول : أي من تمسّك بذكر الحقّ أعرض عن الخلق ، وتعرّض للسير إليه ، ومن ألف الذكر ولم يفارقه عند الوصول إلى قرب المذكور ، وقف بالباب ممنوعا من الدخول ، ( ومن ولع بالذكر ) ؛ أي حرص عليه ليبلغه إلى المذكور ، لا ليقف معه ، أوصله إلى المذكور ؛ بفناء الذاكر وذكره فيه . وقال : ( من شهد المذكور في حقيقة الذكر ، منعته حقيقة المشاهدة عن الذكر ) . أقول : ظاهر هذا القول هو أنّ الذاكر يذكر المذكور ما لم يبلغ إلى مشاهدته ، فإذا بلغ منعته المشاهدة عن ذكره ، فلا يذكره بعد ذلك ، فعلى هذا يكون المراد بالذكر غير المشاهدة ، والعارف يفهم منه معنى وراء ذلك ، وهو أنّ الذاكر إذا فني في مشاهدة المذكور ، أي الذاكر صفته باقية بالمذكور ، لا به ، فيكون ممنوعا عن ذكره ، وهو المشاهدة ، وهذا مقام البقاء باللّه بعد الفناء عن غيره . وقال : ( الذكر خبر الذكر ) . أقول : أي ذكر العبد ربّه خبر يخبر عن ذكر الربّ إيّاه ؛ لأنّ ذكر العبد ربّه أثر ذكر الربّ إيّاه ، وقد سبق في أوّل هذا الفصل بيان يتّضح به هذا المعنى . وقال : ( ذكر اللّه بالنفس عادة ، وبالعلم زيادة ، وبالوجد إرادة ، وبالحقّ قلادة ) . أقول : من ذكر اللّه بطلب الأماني منه فذكره بالنفس ، وهو في الحقيقة ليس بالذكر ، بل يسمّى ذكرا من حيث العادة ، ومن ذكره بشرط العلم - وهو أن لا يطلب منه إلّا رضاه - زاد بذكره ذكره ، إلّا أن يذكره لغرض يزول الذكر بزواله ، ومن ذكره بفنائه فيه ووجده إيّاه صدقت إرادته ؛ لأنّ صدق الإرادة يقتضي فناء المريد في المراد ، ومن ذكره به ، لا بنفسه ، يكون ذكره ذاك قلادة في عنقه ، أن يكون عبدا قائما بربّه ، لا بنفسه ، فإنّ من لم يكن باللّه لم يكن في مقام العبوديّة .